هل أنا نرجسي؟ الفرق بين الثقة والنرجسية

التاريخ: ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
التصنيف: دليلك النفسي
هل أنا نرجسي؟ الفرق بين الثقة والنرجسية

شارك

قبل نحو ألفي عام كتب الشاعر الروماني أوفيد في الكتاب الثالث من «التحولات» حكاية شاب اسمه نرسيس، مرّ ببركة صافية فرأى وجهه على الماء، فأحبه حبا لم يقدر معه على الانصراف. ظل جاثيا عند الحافة يمد يده إلى صورة تهرب كلما لمسها، وينسى الطعام والنوم، حتى ذبل في مكانه، فلما جاؤوا يطلبونه لم يجدوا جسده، ووجدوا في موضعه زهرة بيضاء صفراء القلب سُمّيت باسمه، وهي التي نعرفها اليوم بالنرجس.

وفي عام ١٨٩٨ استعار الطبيب الإنجليزي هافلوك إليس اسم نرسيس ليصف به حالة نفسية، ثم كتب سيغموند فرويد عام ١٩١٤ مقالته «حول النرجسية»، فانتقل الاسم من الأسطورة إلى علم النفس، ولم يغادره منذ ذلك اليوم.

غير أن في الحكاية تفصيلا يفوت أكثر من يرويها، فنرسيس لم يسأل نفسه مرة واحدة: «هل أنا نرجسي؟». لم يلتفت عن البركة ليتساءل عن أثره في غيره، ولا خطر له أن في نظرته خللا. أما أنت فقد توقفت وسألت، وهذا وحده يقول عنك شيئا يستحق أن تسمعه.

هل أنا نرجسي فعلا؟ الجواب المختصر

هل أنا نرجسي؟ السؤال وحده لا يكفي للحكم، لأن النرجسية طيف يبدأ بتقدير ذات صحي يحتاجه كل إنسان، ويمر بسمات نرجسية يعرفها أغلب الناس في بعض المواقف، ولا يبلغ حد الاضطراب إلا حين يصير النمط ثابتا شاملا يضر بعلاقات صاحبه وحياته ضررا واضحا، والحكم فيه للمختص بعد تقييم.

وهذا المقال يساعدك على فهم موقعك من هذا الطيف، فهو للتوعية وفهم الذات، لا لتشخيص نفسك، ولا لإلصاق الوصف بغيرك. وإن أردت فحصا ذاتيا أدق من القراءة، فجرّب اختبار اضطرابات الشخصية في مكشوف، وهو مقياس عربي يضم خمسة عشر مقياسا فرعيا، يعطيك مؤشرات تعينك على التأمل وعلى الحديث مع المختص، ولا يغني عن تقييمه.

ما الفرق بين تقدير الذات الصحي والسمات النرجسية؟

تخيّل أنك قدمت عرضا في اجتماع العمل، ثم قال مديرك أمام الفريق إن الأرقام في الشريحة الثالثة تحتاج إلى مراجعة. صاحب الثقة الصحية يتضايق قليلا، ثم يفتح الملف ويصلح الخطأ، ويبقى يعرف أنه موظف جيد. وصاحب السمات النرجسية يقضي بقية اليوم يعيد المشهد في رأسه، ويرى في الملاحظة إهانة مقصودة، وربما يبحث عن خطأ في عمل المدير يرد به عليه.

فتقدير الذات الصحي أن تعرف قيمتك وتعتز بإنجازك وتدافع عن حقك، ثم تقبل النقد وتعترف بالخطأ وترى قيمة غيرك كما ترى قيمتك. أما السمات النرجسية فميل إلى تضخيم الذات وحاجة ملحّة إلى الإعجاب، مع حساسية شديدة للنقد، وقد تظهر عند أي إنسان في فترة ضغط أو نجاح مفاجئ أو جرح، ثم تخف حين تهدأ الظروف.

والفرق الجوهري أن الثقة الصحية مستقرة لا تهتز بكل ملاحظة، في حين تحتاج الصورة النرجسية إلى تغذية مستمرة من الخارج، فإذا انقطع الإعجاب أو جاء نقد شعر صاحبها بتهديد يفوق حجم الموقف. وهنا يشبه نرسيس كثيرا، إذ لا تعيش صورته إلا ما دام الماء ساكنا.

متى تصبح النرجسية اضطرابا في الشخصية؟

يصف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) اضطراب الشخصية النرجسية بأنه نمط دائم من العظمة في الخيال أو السلوك، والحاجة إلى الإعجاب، وضعف التعاطف، يبدأ في بداية الرشد ويظهر في سياقات متعددة، ويشترط الدليل انطباق خمسة معايير على الأقل من تسعة. ومن أبرز ما تذكره المراجع السريرية، كما تلخصها مايو كلينك:

  • إحساس مبالغ فيه بأهمية الذات، وتوقع الاعتراف بالتفوق دون إنجاز يسوّغه.
  • الانشغال بخيالات النجاح أو السلطة أو الجمال أو التميز المطلق.
  • الاعتقاد بأنك متميز لا يفهمك إلا أصحاب المكانة الرفيعة.
  • الحاجة المستمرة إلى الإعجاب المفرط.
  • الشعور بالاستحقاق، وتوقع معاملة خاصة وامتثال الآخرين تلقائيا.
  • استغلال الآخرين لبلوغ الأهداف الشخصية.
  • ضعف القدرة على إدراك مشاعر الآخرين واحتياجاتهم أو عدم الرغبة في ذلك.
  • حسد الآخرين أو الاعتقاد بأنهم يحسدونك.
  • التعالي والغطرسة في السلوك.

ولعلك قرأت القائمة فوجدت نفسك في بندين منها، فتذكرت يوم انزعجت لأن أحدا في المجلس قاطع حديثك، أو يوم شعرت بشيء من الغيرة من زميل ترقّى قبلك. وهذا لا يعني الاضطراب، فالمعيار هو الثبات والشمول والضرر: هل يتكرر هذا النمط في العمل والأسرة والصداقات منذ سنوات؟ وهل يسبب لك أو لمن حولك معاناة حقيقية؟

كم هو شائع اضطراب الشخصية النرجسية؟

تختلف التقديرات باختلاف طرق القياس، فقد وجدت دراسة أمريكية واسعة نشرها ستينسون وزملاؤه عام ٢٠٠٨، شملت ٣٤٬٦٥٣ بالغا، أن انتشار الاضطراب على مدى الحياة بلغ نحو ٦٫٢٪، وكان عند الرجال (٧٫٧٪) أعلى منه عند النساء (٤٫٨٪)، بينما تقدّر دراسات أخرى نسبا أقل بكثير. والخلاصة أن السمات النرجسية شائعة، وأن الاضطراب الكامل أقل شيوعا مما توحي به مواقع التواصل التي صارت تطلق كلمة «نرجسي» على كل من نختلف معه.

هل قلقك من أن تكون نرجسيا علامة بحد ذاته؟

نعود هنا إلى البركة. من يتساءل بصدق عن أثره في غيره، ويخشى أن يكون قد جرح أحدا، يُظهر قدرة على التأمل الذاتي والاهتمام بمشاعر الآخرين، وهما ما يضعف عادة في الاضطراب النرجسي. ولا يعني ذلك أن القلق ينفي الاحتمال نفيا قاطعا، لكنه يرجّح أنك أمام سمات يمكن العمل عليها، أو أمام جرح في الثقة بالنفس جعلك تحاسب نفسك بقسوة.

وكثيرا ما يطرح الناس هذا السؤال بعد علاقة انتهت باتهامهم بالنرجسية، أو بعد قراءة منشور يعدد «علامات النرجسي»، فيجدون في أنفسهم بعضها، لأن تلك القوائم عامة تنطبق على أغلب البشر في أسوأ أيامهم. تخيّل أن أحدا حكم عليك من مشهد واحد وأنت عالق في زحمة طريق الملك فهد بعد يوم طويل؛ لن يرى منك إلا أسوأ ما فيك.

من أين تأتي السمات النرجسية؟

لا يعرف العلماء سببا واحدا للاضطراب النرجسي، وتشير مايو كلينك إلى أنه قد ينشأ من تداخل عوامل عدة، منها البيئة التي نشأ فيها الإنسان، كأن يلقى في طفولته إعجابا مفرطا أو نقدا مفرطا لا يتناسب مع تجربته الحقيقية، ومنها العوامل الوراثية، والصلة بين الدماغ والسلوك والتفكير.

تخيّل طفلا لا يسمع المديح في البيت إلا حين يأتي بالدرجة الكاملة في الاختبار، فيتعلم أن قيمته معلّقة بالنتيجة، ويكبر وهو يحرس صورة الكامل خوفا من أن يسقط إن أخطأ. ولهذا لا يصح أن تنظر إلى سماتك بوصفها عيبا أخلاقيا اخترته، بل طريقة تعلّمت بها حماية نفسك في مرحلة ما، ثم صارت تكلّفك أكثر مما تحميك. وما تعلّمته يمكن أن تراجعه وتستبدل به طرقا أنضج في التعامل مع الجرح والنقد والحاجة إلى التقدير.

وتتغذى هذه السمات في بيئات تقيس الإنسان بمظهره ومكانته وعدد المعجبين به، فشاشة الجوال اليوم بركة نرسيس الحديثة، ومن يعمل على نفسه يحتاج إلى أن ينتبه لما يستهلكه كل يوم من مقارنات، وأن يمنح وقتا أكبر لعلاقات يرى فيها الآخرين ويرونه كما هو.

ما النرجسية الخفية أو الهشة؟

النرجسية الخفية أو الهشة نمط يبدو صاحبه خجولا قليل الثقة، وتحت ذلك حاجة شديدة إلى التقدير وحساسية بالغة للنقد. فالنرجسية لا تظهر دائما في صورة الشخص المتباهي الواثق، إذ يميّز الباحثون بين نمطين: النرجسية المتعاظمة الظاهرة في الثقة الزائدة والسيطرة، والنرجسية الهشة أو الخفية التي يبدو صاحبها خجولا قليل الثقة، لكنه شديد الحساسية للنقد، سريع الشعور بالإهانة، كثير الانشغال بإحساسه بالنقص، وقد يرد على ما يراه تجاهلا بالانسحاب أو الضغينة أو العدوان غير المباشر.

ويرى الباحثون أن النمطين وجهان لعملة واحدة، فصاحب النمط المتعاظم يمر بلحظات هشاشة، وصاحب النمط الهش تأتيه لحظات تعاظم، والجامع بينهما صورة ذات تحتاج إلى حماية مستمرة وتنظيم من الخارج، كما تشرح مراجعة بينكس ولوكوويتسكي المنشورة عام ٢٠١٠.

كيف تعمل على السمات النرجسية إن وجدتها في نفسك؟

الخبر الطيب أن السمات الشخصية ليست قدرا ثابتا، وأن الوعي بها أول طريق التغيير، ومما يعين على ذلك:

  • راقب ردك على النقد: حين تشعر بالغضب من ملاحظة، توقف واسأل نفسك عن نصيبها من الصحة ثم دافع إن لزم.
  • تدرب على الإصغاء: في جلستك القادمة مع العائلة، حاول أن تفهم شعور محدثك ولا تعد الحديث إلى نفسك.
  • افصل قيمتك عن الإعجاب: اكتب ما تعتز به في نفسك بعيدا عن رأي الناس ومقارنتك بهم.
  • اعتذر بلا شروط: الاعتذار الصادق دون «لكن» يبني الثقة ويكسر حلقة الدفاع.
  • اسأل من تثق بهم: رأي صديق صادق أو قريب حكيم يكشف ما لا تكشفه مرآتك.

متى تحتاج إلى مختص نفسي؟

يحسن أن تستشير مختصا حين تتكرر خلافاتك في العمل والعلاقات للأسباب نفسها، أو حين تشعر بفراغ داخلي أو اكتئاب أو قلق مستمر، أو حين يخبرك أكثر من شخص قريب بأن أسلوبك يؤذيهم. والعلاج النفسي بالحوار هو الأساس في التعامل مع السمات واضطراب الشخصية النرجسية، بحسب مايو كلينك وهيئة الخدمات الصحية البريطانية، إذ لا يوجد دواء مخصص للاضطراب نفسه، وإن عولجت الحالات المصاحبة كالاكتئاب والقلق بحسب الحاجة.

ومن الإنصاف أن نذكر أن أصحاب هذه السمات يواجهون وصمة حتى في بعض العيادات، كما تنبه جمعية تطوير العلاج النفسي، مع أن كثيرا منهم يعيش ألما داخليا حقيقيا يستحق الفهم والرعاية لا الأحكام.

كيف تعرف موقعك من الطيف قبل زيارة المختص؟

ارجع إلى أسئلة هذا المقال بصدق: كيف ترد على النقد، وهل ترى ألم غيرك، وهل يهتز تقديرك لنفسك إذا غاب الإعجاب. ثم إن شئت، فاختبار اضطرابات الشخصية المذكور في أول المقال يعطيك صورة أوضح تحملها معك إلى المختص.

الخلاصة

نرسيس بقي عند البركة لأنه لم يرفع رأسه قط، وأنت رفعت رأسك وسألت. فالإجابة عن سؤال «هل أنا نرجسي» لا تأتي من قائمة على الإنترنت، إذ تقدير الذات الصحي ضرورة، والسمات النرجسية شائعة وقابلة للتعديل، أما الاضطراب فنمط ثابت شامل يحدده مختص. وما دمت تسأل بصدق وتهتم بأثرك في غيرك، فأنت تملك أهم أداة للتغيير، وهي الوعي، ويبقى المختص النفسي أفضل من يعينك على استعمالها، وطلب مساعدته علامة نضج لا ضعف.