في القرن الثاني للميلاد كتب الطبيب الإغريقي جالينوس، طبيب المصارعين في برغامس ثم طبيب القصر في روما، رسالة سماها «في الأمزجة». وكان يبني على مذهب أبقراط في الأخلاط الأربعة، أي الدم والصفراء والسوداء والبلغم، فرأى أن غلبة واحد منها تصنع طبعا بعينه: الدموي البشوش، والصفراوي سريع الغضب، والسوداوي الكئيب، والبلغمي الهادئ البطيء.
وعاشت هذه القسمة نحو ألف وخمسمئة عام في الطب، وانتقلت إلى كتب الأطباء العرب، ثم سقط أساسها حين عرف الطب أن الدم لا يحمل الكآبة وأن الصفراء لا تصنع الغضب. ومع ذلك ما زلنا نقول عن أحدهم إنه «دموي» أو «بارد الطبع»، كأن جالينوس لم يغادر المجلس.
وهذا مدخل مناسب للحديث عن أنواع الشخصيات، لأن كل نموذج يقسم الناس يحمل شيئا من ملاحظة صادقة وشيئا من تبسيط، والمهم أن تعرف أين ينتهي هذا ويبدأ ذاك.
ما أنواع الشخصيات في علم النفس باختصار؟
أنواع الشخصيات في علم النفس يعرضها المختصون اليوم من خلال أربعة نماذج مشهورة: الأمزجة الأربعة القديمة، ومؤشر مايرز بريغز MBTI ذو الأنماط الستة عشر، والسمات الخمس الكبرى التي تقيس أبعادا متصلة، وتصنيفات اضطرابات الشخصية في الطب النفسي. والثلاثة الأولى تصف الفروق العادية بين الناس، أما الرابع فيصف أنماطا تسبب معاناة وضررا وتحتاج إلى تشخيص مختص.
الأمزجة الأربعة: ملاحظة قديمة على أساس منهار
قوة نموذج الأمزجة أنه التقط فروقا حقيقية يراها كل أحد، فبعض الناس أسرع انفعالا من غيرهم، وبعضهم أكثر بشاشة، وبعضهم أميل إلى الحزن. وقد لاحظ عالم النفس البريطاني هانز آيزنك في القرن العشرين أن الأمزجة الأربعة تقع تقريبا في أركان بعدين حديثين، هما الانبساط والاتزان الانفعالي، فالصفراوي مثلا منبسط قليل الاتزان، والبلغمي منطو متزن.
أما حدوده فواضحة، إذ بُني على تفسير جسدي ثبت خطؤه، ولا يعرف إلا أربع خانات، ولا يملك أداة قياس مقننة. فهو اليوم جزء من تاريخ علم النفس، ولا يصلح لتقييم أحد.
مؤشر MBTI: لغة سهلة وقياس ضعيف
بنت كاثرين بريغز وابنتها إيزابيل مايرز هذا المؤشر على كتاب كارل يونغ «الأنماط النفسية» الصادر عام ١٩٢١، فجعلتا الشخصية أربع ثنائيات: الانبساط أو الانطواء، والحس أو الحدس، والتفكير أو الشعور، والحكم أو الإدراك، ومنها يخرج ستة عشر نمطا يرمز لكل منها بأربعة حروف.
وقوته في لغته، فهو يصف الاختلاف بين الناس دون أن يجعل أحد القطبين أفضل من الآخر، ولذلك انتشر في ورش العمل والتعارف بين الفرق. وحدوده أن الناس لا ينقسمون فعلا إلى قطبين، وأن كثيرا ممن يعيدونه بعد أسابيع يحصلون على نمط مختلف، وأنه يخلو من بعد يقيس الاتزان الانفعالي. ولهذه الحدود تفصيل أوسع في مقارنته بالسمات الخمس.
السمات الخمس الكبرى: النموذج الذي يعتمده الباحثون
لم يبدأ هذا النموذج من نظرية، بل من قائمة فيها نحو ثمانية عشر ألف كلمة يصف بها الناس بعضهم بعضا، جمعها غوردون ألبورت وهنري أودبرت عام ١٩٣٦، ثم ردّها التحليل الإحصائي عبر عقود إلى خمسة أبعاد: الانفتاح على التجربة، ويقظة الضمير، والانبساط، والطيبة، والعصابية.
وقوته أنه يقيس ولا يصنّف، فيعطيك درجة على كل بعد، وأن أبعاده ظهرت في ثقافات كثيرة، وأنه يتنبأ بنتائج حقيقية في العمل والعلاقات والصحة. وحدوده أنه وصفي أكثر منه تفسيري، فهو يخبرك أين تقع ولا يخبرك لماذا، وأن خمسة أبعاد واسعة قد تخفي فروقا أدق داخل كل بعد، ولذلك تقسم المقاييس المفصلة كل بعد إلى جوانب فرعية. وتجد شرحا كاملا له في مقال السمات الخمس الكبرى للشخصية.
ماذا عن أنماط يونغ وأبعاد آيزنك؟
بين جالينوس والسمات الخمس محطتان تستحقان الذكر. الأولى كارل يونغ الذي ميّز في كتابه عام ١٩٢١ بين المنبسط الذي يتجه بطاقته إلى العالم الخارجي، والمنطوي الذي يتجه بها إلى داخله، فدخلت الكلمتان اللغة اليومية، ومنهما بنى مؤشر MBTI ثنائيته الأولى. وقوة يونغ في الملاحظة السريرية الغنية، وحدوده أنه لم يبنِ أداة قياس، ولم يختبر أفكاره بعينات كبيرة.
والثانية هانز آيزنك الذي قاس الشخصية بالاستبيانات والتحليل الإحصائي، فانتهى إلى أبعاد قليلة، أشهرها الانبساط والعصابية، ثم أضاف الذهانية. وقد مهّد عمله للنموذج الخماسي، إذ أثبت أن الشخصية تُقاس بأبعاد متصلة، وأن بعدي الانبساط والعصابية يظهران في كل نموذج جاد تقريبا. ويرى أغلب الباحثين اليوم أن نموذجه أضيق من أن يغطي الشخصية كلها، فالانفتاح ويقظة الضمير والطيبة تحتاج إلى أبعاد مستقلة.
لماذا نحب أن نُقسَّم إلى أنواع؟
العقل يحب الخانات لأنها تختصر عليه الجهد، فمعرفة أن زميلك «انطوائي» تبدو أسهل من معرفة أنه أعلى من أربعين في المئة من الناس في الانبساط. والانتماء إلى نوع له اسم يمنحك شعورا بأنك مفهوم، وبأن هناك غيرك يشبهك. وهذا كله مفهوم ومريح، لكنه يصير مشكلة حين يتحول النوع إلى عذر، كأن يقول أحدهم إنه لا يستطيع الالتزام بالمواعيد لأن نمطه «عفوي»، أو حين نحكم على الآخرين بلقب نسمعه مرة واحدة.
هل تختلف أنواع الشخصيات بين الثقافات؟
هذا سؤال يهم القارئ العربي تحديدا، لأن أغلب النماذج نشأت في أوروبا وأمريكا. والجواب أن السمات الخمس ظهرت في دراسات أُجريت بلغات وثقافات كثيرة، فالفروق بين الناس في الانبساط والقلق والتنظيم ليست اختراعا غربيا. لكن طريقة التعبير عن السمة تختلف، فالطيبة في مجتمع يقدّر صلة الرحم قد تظهر في حضور المناسبات العائلية، والانبساط في مجتمع محافظ قد يظهر في المجلس أكثر من الحفلات. ولذلك يحتاج أي مقياس مترجم إلى تجربة على عينات محلية قبل أن تُفسَّر درجاته بثقة.
اضطرابات الشخصية: حين يصير النمط معاناة
يختلف هذا النوع عن السابقة في غرضه، فهو لا يصف الناس عامة، بل يصف أنماطا ثابتة من التفكير والشعور والسلوك تنحرف عما يتوقعه المحيط، وتظهر في أغلب المواقف، وتسبب معاناة واضحة أو ضررا في العمل والعلاقات. ويذكر الدليل التشخيصي الأمريكي DSM-5 عشرة اضطرابات شخصية في ثلاث مجموعات: الغريبة الأطوار كالارتيابية، والدرامية الانفعالية كالحدّية والنرجسية، والقلقة الخائفة كالتجنبية والوسواسية القهرية.
وقوة هذا التصنيف أنه يعطي المختصين لغة مشتركة للتشخيص والعلاج. وحدوده التي يعترف بها أهل الاختصاص أن الحالات تتداخل كثيرا، فيستوفي المريض الواحد معايير أكثر من اضطراب. ولهذا السبب اتجهت منظمة الصحة العالمية في التصنيف الدولي ICD-11 إلى تقييم شدة اضطراب الشخصية ووصف سماته البارزة بدل الخانات المنفصلة، وأضاف DSM-5 نموذجا بديلا قائما على السمات في قسم مستقل.
والأهم للقارئ أن هذه التسميات لا تُطلق من مقال أو اختبار على الإنترنت، فوصف أحدهم بأنه «نرجسي» أو «حدّي» حكم يحتاج إلى مقابلة مختص، وإن أردت التوسع في مثال واحد فاقرأ هل أنا نرجسي؟.
وفرق آخر يستحق الانتباه، فالسمات العادية تتغير تغيرا تدريجيا مع العمر والتجربة، وأعراض اضطرابات الشخصية كذلك أقل جمودا مما كان يُظن، إذ تُظهر دراسات المتابعة الطويلة أن كثيرا من المرضى يتحسنون مع الوقت والعلاج. فلا التسمية العادية قدر، ولا التشخيص حكم مؤبد.
أي أنواع الشخصيات أقرب إلى الصواب؟
الجواب يتوقف على سؤالك. فإن أردت قياسا تثق به في فهم نفسك أو في البحث، فالسمات الخمس الكبرى هي الأقوى دليلا. وإن أردت لغة خفيفة للحديث عن الاختلاف في فريق عمل، فالأنماط تؤدي الغرض ما دمت لا تبني عليها قرارا. وإن كنت تسأل عن معاناة حقيقية في علاقاتك وحياتك، فالطريق هو المختص الذي يقيّم ويشخّص.
| النموذج | طريقة الوصف | أقوى ما فيه | أبرز حدوده |
|---|---|---|---|
| الأمزجة الأربعة | أربع خانات | ملاحظة قديمة لفروق حقيقية | أساس جسدي ثبت خطؤه |
| MBTI | ستة عشر نمطا | لغة سهلة غير حاكمة | ثبات ضعيف وغياب الاتزان الانفعالي |
| السمات الخمس الكبرى | خمسة أبعاد متصلة | أقوى دليل علمي وتنبؤ | تصف ولا تفسّر |
| اضطرابات الشخصية | تشخيص سريري | لغة مشتركة للعلاج | تداخل الفئات، ولا يُستعمل إلا بيد مختص |
كيف تعرف أين تقع؟
إن أردت أن تعرف موقعك فجرّب في مكشوف اختبار الشخصية المبني على السمات الخمس. وهو يعطيك درجاتك ثم يقربها إلى أحد أنماط الشخصية لمن يحب لغة الأنماط، ويمكنك بعدها أن تقارن نفسك بنماذج من الشخصيات المعروفة. والنتيجة وصف للتأمل، لا تشخيص.
خلاصة القول في أنواع الشخصيات
قسّم جالينوس الناس بالأخلاط، وقسّمتهم بريغز ومايرز بالحروف، وقاسهم علماء السمات الخمس بالدرجات، ويصنّف الأطباء النفسيون ما يتجاوز الطبع إلى المعاناة. وأنواع الشخصيات كلها محاولات لفهم الاختلاف بين البشر، يتفاوت حظها من الدليل، فاعرف لكل نموذج حجمه، وخذ من القياس الأدق ما تبني عليه، ومن اللغة الأخف ما تتحدث به.