في عام ١٩٣٦ جلس عالما نفس أمريكيان، غوردون ألبورت وهنري أودبرت، أمام قاموس ويبستر الكبير بنحو أربعمئة ألف كلمة، وقررا أن يمرّا عليه صفحة صفحة، ولم يكونا يبحثان عن معنى كلمة بعينها، بل عن كل لفظ يصف به الناس بعضهم بعضا. وحين انتهيا كانت في أيديهما قائمة من ١٧٩٥٣ كلمة، صارت بذرة ما نعرفه اليوم بـالسمات الخمس الكبرى للشخصية.
تخيّل هذا الرقم على ورق: ما يقارب ثمانية عشر ألف طريقة يقول بها الإنسان عن غيره إنه كريم أو عنيد أو متقلب أو كتوم. ولم يكن الجهد هوسا بالقواميس، فقد كان وراءه سؤال بسيط وعميق معا، وهو أن الفروق بين الناس إذا كانت مهمة في حياتهم فلا بد أن لغتهم اخترعت لها أسماء، فمن يقرأ اللغة جيدا يقرأ الشخصية نفسها.
وأنت تعرف هذه الفكرة من غير أن تسمع بألبورت. فجدتك حين تسأل عن عريس أو جار جديد لا تطلب اختبارا، بل تسأل: هادي؟ اجتماعي؟ مرتب؟ يُعتمد عليه؟ وهذه الكلمات اليومية هي المادة الخام التي خرج منها أكثر نماذج الشخصية اختبارا في العالم، أي النموذج الذي يحمل هذا الاسم.
ما السمات الخمس الكبرى للشخصية باختصار؟
السمات الخمس الكبرى للشخصية نموذج علمي يصف الشخصية بخمسة أبعاد متصلة، هي الانفتاح على التجربة، ويقظة الضمير، والانبساط، والطيبة، والعصابية في مقابل الاتزان الانفعالي. ولا يضعك النموذج في خانة مغلقة، وإنما يقيس موقعك على كل بعد، ولذلك صار أوسع نماذج الشخصية قبولا عند علماء النفس اليوم.
كيف تحولت ثمانية عشر ألف كلمة إلى خمس سمات؟
قائمة بهذا الطول لا تصلح لشيء ما دامت على حالها، فكثير من كلماتها يدور حول المعنى نفسه، فالمرتب قريب من المنظم، والمنظم قريب من المنضبط، والمنضبط قريب ممن يُعتمد عليه. والسؤال الذي شغل الباحثين بعد ذلك عقودا هو: كم معنى حقيقيا يختبئ خلف هذا الركام من الألفاظ؟
وكان الطريق إلى الجواب أداة إحصائية تسمى التحليل العاملي، وهي تنظر في الصفات التي يطلقها الناس معا على الشخص الواحد، فإذا كان من نصفه بالمرتب نصفه عادة بالمنضبط أيضا، جمعتهما الأداة تحت عامل واحد. وفي مطلع الستينيات حلّل الباحثان إرنست توبس وريموند كريستال تقديرات كهذه في عينات تابعة لسلاح الجو الأمريكي، فظهرت لهما خمسة عوامل متكررة، ثم أكدها وارن نورمان عام ١٩٦٣، ومضى لويس غولدبرغ في الطريق نفسه حتى نشر عام ١٩٩٠ دراسة أظهرت أن العوامل الخمسة تعود في قوائم صفات مختلفة وعينات مختلفة، وهو الذي أشاع تسميتها «الخمسة الكبار».
وفي المسار الموازي عمل بول كوستا وروبرت ماكراي على الاستبيانات لا على القواميس، فبنيا مقياسا مفصلا، وبيّنا أن الأبعاد نفسها تظهر حين يصف الإنسان نفسه، وحين يصفه من يعرفه. فلما التقى الطريقان عند الخمسة ذاتها، اكتسب النموذج قوة لم تكن لأي تصنيف قبله، لأنه لم يخرج من رأس منظّر، بل من كلام الناس عن الناس.
ما السمات الخمس الكبرى للشخصية بأمثلة من حياتنا؟
خذ يوما عاديا من أيامك في الرياض، من زحمة الصباح إلى مجلس الليل، وستجد السمات الخمس تمر أمامك واحدة بعد الأخرى. ولكل سمة قطبان، وأكثر الناس يقعون في المنطقة الوسطى بينهما، والطرف العالي ليس فضيلة مطلقة، ولا المنخفض عيبا مطلقا، فلكل موقع مزاياه وتكاليفه بحسب الموقف.
- الانفتاح على التجربة: ميلك إلى الأفكار الجديدة والخيال والفن والتجريب. تخيّل صديقا يقترح على أهله رحلة إلى العُلا بدل المصيف المعتاد، ويقرأ في مجالات بعيدة عن تخصصه، فهذا انفتاح مرتفع، أما صاحب الانفتاح المنخفض فيطمئن إلى المألوف ويفضّل ما جرّبه وعرف نتيجته.
- يقظة الضمير: التنظيم والانضباط والوفاء بالمواعيد والمهام. تراها في الموظف الذي يسلّم تقريره قبل موعده، وفي الطالب الذي يبدأ مذاكرة الاختبارات النهائية من أول الفصل لا من ليلة الاختبار.
- الانبساط: الطاقة الاجتماعية والميل إلى الصحبة والحديث. المنبسط يأنس بالاستراحة المزدحمة ويخرج منها نشيطا، والمنطوي يستمتع بجلسة هادئة مع صديقين، ويحتاج بعد الزحام إلى وقت يستعيد فيه نفسه، وليس الانطواء خجلا بالضرورة.
- الطيبة أو المقبولية: الميل إلى التعاون والتعاطف وحسن الظن. صاحبها المرتفع يسعى إلى الصلح في خلافات العائلة ويصعب عليه أن يرفض طلبا، أما المنخفض فيها فأصرح وأكثر استعدادا للمواجهة، وقد ينفعه ذلك على طاولة التفاوض.
- العصابية في مقابل الاتزان الانفعالي: قابليتك للقلق والتوتر وتقلب المزاج. تخيّل نفسك عالقا في زحمة طريق الملك فهد قبل اجتماع مهم: صاحب العصابية المرتفعة يشتعل قلقه مع كل دقيقة، وصاحب الاتزان المرتفع يمر بالموقف نفسه بهدوء أكبر.
والعصابية في هذا النموذج سمة عادية يتوزع عليها الناس جميعا، وليست تشخيصا لاضطراب نفسي، وإن كان ارتفاعها الشديد مع معاناة مستمرة سببا وجيها لاستشارة مختص.
لماذا يثق علماء النفس بالسمات الخمس أكثر من تصنيفات الأنماط؟
تقسم اختبارات الأنماط الشائعة الناس إلى فئات ثابتة، فإما أن تكون منبسطا وإما منطويا، مع أن أكثر الناس يقعون قرب المنتصف، فيكفي فرق نقطة واحدة لينقل شخصين متشابهين إلى نمطين متقابلين، ولهذا تتبدل نتيجة كثيرين حين يعيدون اختبارات الأنماط بعد مدة قصيرة. أما السمات الخمس فتقيس الدرجة على مقياس متصل، فتحفظ الفروق الدقيقة ولا تختزلها في حرف أو لقب.
وفوق ذلك خرج النموذج من البيانات لا من نظرية مسبقة، ثم صمد أمام اختبارات كثيرة، إذ ظهرت عوامله في لغات وثقافات متعددة، وأمكن قياسها بتقرير الإنسان عن نفسه وبتقدير أقاربه وأصدقائه له، والأهم أنها تتنبأ بنتائج حقيقية في الحياة، وهو ما تحققت منه دراسات التحليل التجميعي التي تجمع نتائج عشرات الدراسات في تقدير واحد.
بماذا تتنبأ السمات الخمس في العمل؟
تخيّل مديرا يفاضل بين متقدمَين متقاربين في الشهادة والخبرة. علم النفس لا يعطيه جوابا قاطعا، لكنه يعطيه مؤشرا له وزن. ففي دراسة من أشهر دراسات الباب، جمع موراي باريك ومايكل ماونت عام ١٩٩١ نتائج دراسات سابقة عن خمس فئات مهنية، منها المهنيون والمديرون ورجال المبيعات والشرطة، فوجدا أن يقظة الضمير هي السمة الوحيدة التي ارتبطت بالأداء الوظيفي ارتباطا ثابتا في جميع المهن، وبلغ متوسط معامل الارتباط المصحح نحو ٠٫٢٢. ووجدا كذلك أن الانبساط ينبئ بالأداء في المهن القائمة على التعامل مع الناس كالإدارة والمبيعات، وأن الانبساط والانفتاح يرتبطان بالنجاح في برامج التدريب.
وقد يبدو معامل ٠٫٢٢ صغيرا، لكنه في علم النفس التطبيقي أثر له وزن، لأنه يتكرر عبر آلاف الموظفين، وإن كان لا يكفي وحده للحكم على شخص بعينه، فالسمة ترجّح ولا تحسم، والمهارة والظروف وبيئة العمل تشارك في النتيجة.
وماذا عن العلاقات الزوجية والعاطفية؟
جمع جون مالوف وزملاؤه عام ٢٠١٠ تسع عشرة عينة تضم ٣٨٤٨ مشاركا، ودرسوا العلاقة بين سمات الشريك ورضا الطرف الآخر عن العلاقة، فوجدوا أن أربع سمات ترتبط بارتفاع رضا الشريك، هي انخفاض العصابية وارتفاع الطيبة ويقظة الضمير والانبساط، وتراوحت قوة هذه الارتباطات بين ضعيفة ومتوسطة، ولم تختلف بين الرجال والنساء ولا بين المتزوجين وغيرهم. ومعنى ذلك في البيت أن الهدوء الانفعالي والتعاطف والاعتمادية صفات يلمس أثرها من يعيش معك قبل غيره، وكأن الدراسة تعيدنا إلى سؤال الجدة نفسه: هادي؟ يُعتمد عليه؟
هل تتغير السمات الخمس الكبرى للشخصية مع العمر؟
نعم، تتغير تغيرا تدريجيا ومنتظما، مع بقاء ترتيب الإنسان بين أقرانه مستقرا نسبيا. ففي تحليل تجميعي لدراسات طولية تابعت الناس سنوات طويلة، نشره برنت روبرتس وزميلاه عام ٢٠٠٦ اعتمادا على ٩٢ عينة، تبيّن أن الناس يزدادون في يقظة الضمير والاتزان الانفعالي والجانب القيادي من الانبساط، ولا سيما بين العشرين والأربعين، وأن الانفتاح والحيوية الاجتماعية يرتفعان في المراهقة ثم ينخفضان في الشيخوخة، وأن الطيبة لا تتغير بوضوح إلا في الكبر.
ويسمي بعض الباحثين هذا النمط مبدأ النضج، إذ يميل أغلب الناس مع العمل والزواج وتربية الأبناء إلى مزيد من الانضباط والهدوء. فالشاب الذي كان يذاكر ليلة الاختبار قد يصير بعد عشر سنين أبا يرتب مواعيد أولاده قبل مواعيده، فالشخصية ليست قدرا مكتوبا عند العشرين، والأدوار التي نعيشها تشارك في تشكيلها.
كيف تعرف موقعك على السمات الخمس؟
بعد هذا كله يبقى سؤال طبيعي: أين أقع أنا من الكلمات الخمس؟ إن أحببت أن تعرف، ففي مكشوف اختبار السمات الخمس المبني على مقياس Mini-IPIP المختصر، وهو مجاني ويعطيك درجتك في الأبعاد الخمسة مع وصف لنمطك. والنتيجة مرآة للتأمل والفهم، لا تشخيص ولا حكم على قيمتك.
خلاصة القول في السمات الخمس الكبرى للشخصية
بدأت القصة برجلين يقلبان صفحات قاموس، وانتهت بنموذج تقيس به الجامعات والشركات الشخصية في أنحاء العالم. والسمات الخمس الكبرى للشخصية نشأت من لغة الناس اليومية، وثبتت عبر الثقافات، وتنبئ بجوانب من الأداء الوظيفي ورضا العلاقات، وتتحرك مع العمر نحو النضج. وأنفع ما تمنحك أن تعرف نقاط قوتك والمواقف التي تحتاج فيها إلى جهد أكبر، من غير أن تتحول الدرجات إلى ألقاب نطلقها على الآخرين، فالكلمات التي بدأ بها كل شيء وُضعت لنفهم الناس، لا لنحاصرهم.