الفرق بين القلق والتوتر: السبب والمدة والعلامات

التاريخ: ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
التصنيف: دليلك النفسي
الفرق بين القلق والتوتر: السبب والمدة والعلامات

شارك

في صيف ١٩٣٦ نشر طبيب شاب في جامعة ماكغيل، اسمه هانز سيلييه، رسالة قصيرة في مجلة Nature. كان يحقن فئرانه بمستخلصات مختلفة، فوجد في أجسادها ثلاث علامات لا تتغير: غدة كظرية متضخمة، وغدة زعترية ضامرة، وقرحا تنزف في المعدة.

والمحيّر أن العلامات نفسها ظهرت حين عرّضها للبرد أو الجرح أو الإجهاد، فالمؤذي يتغير والجسد يرد بنمط واحد. ثم استعار سيلييه لهذا الرد كلمة stress من لغة الهندسة، وهي الإجهاد الذي يقع على المعدن حين يُشد.

ومن هنا يبدأ الفرق بين القلق والتوتر، ففي جسدك جرس إنذار واحد لأخطار كثيرة: التوتر هو الجرس حين يرن لسبب تعرفه، والقلق هو الجرس الذي يواصل الرنين بعد أن يغادر السبب.

ما الفرق بين القلق والتوتر باختصار؟

الفرق بين القلق والتوتر أن التوتر استجابة لضغط حاضر تعرف مصدره، كموعد تسليم أو خلاف في العمل، فيخف حين يزول ذلك الضغط. أما القلق فخوف وترقب يستمران بعد غياب السبب، وقد يظهران بلا سبب واضح أصلا، فالتوتر مرتبط بالموقف، والقلق يتجاوزه إلى ما بعده.

وجه المقارنةالتوترالقلق
السببضغط حاضر تعرف مصدرهمصدر غامض، أو خوف أكبر من سببه
المدةمرتبط بالموقف وينتهي بانتهائهيمتد أسابيع أو شهورا
بعد زوال السببيهدأ وترتاحيستمر، أو يجد موضوعا جديدا
الأعراض الجسديةتسارع القلب وشد العضلات والصداع واضطراب النومالأعراض نفسها مع ترقب دائم، وقد تصل إلى نوبات هلع
متى تراجع مختصاإذا طال الضغط وأنهك صحتك أو عملكإذا استمر شهورا أو عطّل نومك وعملك وعلاقاتك

تخيّل أنك في طريق الملك فهد الساعة السابعة والنصف صباحا، والاجتماع في الثامنة، والسيارات واقفة أمامك. يشتد قبضك على المقود، وتنظر إلى الساعة كل دقيقة، ثم تصل وتجلس فيهدأ كل شيء. هذا توتر. وتخيّل بعدها أنك في البيت مساء الجمعة، لا اجتماع ولا زحمة، ومع ذلك يدور في رأسك سؤال عن الغد وما قد يحدث فيه. هذا أقرب إلى القلق.

وكثير من الناس يستعملون الكلمتين بمعنى واحد، فيقول أحدهم إنه «متوتر» وهو يعيش قلقا ممتدا منذ شهور، أو يخشى أن يكون مصابا باضطراب القلق وكل ما عنده أسبوع صعب سيمضي. ولهذا يفيدك التمييز بينهما، لأنه يحدد ما يكفيك: راحة وتنظيم للوقت، أم انتباه أعمق وربما استشارة مختص.

ما التوتر؟

التوتر هو ما رآه سيلييه في فئرانه: رد فعل طبيعي يقوم به الجسم حين يواجه مطلبا أو تهديدا، إذ يفرز هرمونات تهيئه للمواجهة أو الهرب، فيتسارع النبض ويشتد التنفس وتنقبض العضلات. وهذه الاستجابة نافعة في أصلها، فهي التي تشحذ تركيز ابنك ليلة اختبار القدرات، وتدفعك إلى إنهاء تقرير متأخر قبل نهاية الدوام. وتصف الجمعية الأمريكية لعلم النفس التوتر بأنه استجابة لمسبب خارجي، قد يكون قصير الأمد كزحمة طريق، أو طويل الأمد كضائقة مالية أو مرض في الأسرة.

ما القلق؟

القلق شعور بالخوف أو الترقب أو عدم الارتياح، يدور غالبا حول ما قد يحدث لا حول ما يحدث الآن. وتذكر الجمعية نفسها أن القلق يُعرف بانشغال مستمر ومفرط لا يزول حتى في غياب المسبب، فيبقى الذهن يقلّب الاحتمالات ويتخيل أسوأها. تخيّل أنك في المجلس بين أهلك والحديث يدور حولك، وأنت حاضر بجسدك وغائب بذهنك في رسالة لم يرد عليها مديرك. والقلق في حد ذاته ليس مرضا، فكل إنسان يقلق قبل مقابلة عمل أو حين يتأخر أحد أحبائه في الطريق، ولكنه يصير مشكلة حين يطول ويشتد ويعطّل حياتك اليومية.

ما الفرق بين القلق والتوتر في السبب والمدة وعلامات الجسد؟

يتشابه الاثنان في كثير من الأعراض، فالجرس واحد كما وجد سيلييه، ولكن ثلاثة أمور تكشف الفرق:

  • السبب: للتوتر مصدر تستطيع تسميته، كالامتحان أو المشروع أو القسط الشهري. أما القلق فكثيرا ما يكون غامض المصدر، أو أكبر من حجم سببه، أو ينتقل من موضوع إلى آخر.
  • المدة: يخف التوتر عادة بانتهاء الموقف، فترتاح بعد تسليم العمل. أما القلق فيستمر بعد انتهاء الموقف، وقد يبحث عن موضوع جديد ينشغل به.
  • علامات الجسد: يشترك الاثنان في تسارع القلب وشد العضلات والصداع واضطراب النوم والتعب. غير أن القلق يضيف في الغالب ترقبا دائما وصعوبة في الاسترخاء، وقد يصل إلى نوبات هلع يصحبها ضيق نفس أو دوار.

واسأل نفسك سؤالا واحدا: «لو زال هذا الضغط غدا، هل أرتاح؟» فإن كان الجواب نعم فالأرجح أنه توتر، وإن ظننت أن الهم سيجد بابا آخر فقد يكون قلقا يستحق الانتباه.

متى يتحول التوتر إلى مشكلة قلق؟

وصف سيلييه في «متلازمة التكيف العامة» جسدا يتحمل الضغط مدة، ثم ينهك إن طال عليه دون راحة. والأمر قريب من ذلك في التوتر، فهو لا يتحول إلى اضطراب بين ليلة وضحاها، بل حين يطول الضغط ولا يجد الجسم فرصة للتعافي، فيبقى مستنفرا بعد زوال السبب. ويشير المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية إلى أن اضطراب القلق العام يتسم بقلق مفرط يصعب التحكم فيه، يحضر في أغلب الأيام مدة ستة أشهر على الأقل، ويصحبه التململ وسرعة التعب وضعف التركيز والعصبية وشد العضلات واضطراب النوم.

ومن العلامات التي تدعوك إلى الانتباه:

  • أن يستمر القلق أسابيع طويلة دون سبب واضح، أو أن يفوق حجم السبب بكثير.
  • أن تتجنب مواقف أو أماكن أو أشخاصا خوفا من الشعور الذي تثيره، كأن تعتذر عن عزيمة تحبها لأن التجمع صار يثقل عليك.
  • أن يتأثر عملك أو دراستك أو علاقاتك، أو يضطرب نومك أغلب الليالي.
  • أن تتكرر أعراض جسدية كالخفقان وضيق النفس واضطراب المعدة بعد أن يستبعد الطبيب سببا عضويا.

واضطرابات القلق ليست نادرة، فبحسب منظمة الصحة العالمية كان نحو ٣٠١ مليون شخص في العالم يعانون منها عام ٢٠١٩، أي قرابة ٤٪ من سكان العالم، وهي بذلك أكثر الاضطرابات النفسية شيوعا. وتذكر المنظمة أن النساء أكثر إصابة بها من الرجال، وأن واحدا تقريبا من كل أربعة محتاجين يتلقى علاجا. فإن وجدت في نفسك هذه العلامات فلست وحدك، والأمر قابل للعلاج.

هل يمكن أن يجتمع القلق والتوتر عند الشخص نفسه؟

نعم، وهذا هو الغالب في الحياة الواقعية، فالحد بينهما طيف متصل لا جدار فاصل. تخيّل موظفة تستقبل موسم إقفال الميزانية بضغط واضح، ثم يطول الموسم أشهرا حتى يتعود ذهنها على الترقب، فيبقى القلق معها بعد أن تنتهي المهام نفسها. وقد يحدث العكس، فمن يميل إلى القلق بطبعه يتأثر بالضغوط اليومية أكثر من غيره، ويحتاج وقتا أطول ليهدأ بعدها.

ولذلك لا يفيدك كثيرا أن تضع شعورك في خانة واحدة على وجه القطع، والأجدى أن تراقب ثلاثة أمور على مدى أسابيع: كم يدوم الشعور، وكم يشتد، وإلى أي حد يمنعك من القيام بما تريد. فهذه الثلاثة أصدق في الدلالة من الاسم الذي تطلقه على حالك، وهي نفسها ما يسألك عنه المختص حين تراجعه.

كيف تهدّئ التوتر والقلق في حياتك اليومية؟

إن كان الجرس يرن في جسدك، فهذه طرق تعينه على السكوت، وأثرها يتراكم مع المداومة أكثر مما يظهر في يوم واحد:

  • التنفس البطيء: خذ شهيقا من الأنف في أربع عدّات، وأخرجه ببطء في ست، وكرر ذلك بضع دقائق، حتى وأنت واقف عند الإشارة، فإطالة الزفير تساعد الجسم على الخروج من حالة الاستنفار.
  • الحركة المنتظمة: المشي السريع بعد العشاء أو أي نشاط بدني تحبه يخفف التوتر الجسدي، وتنصح هيئة الخدمات الصحية البريطانية بالرياضة المنتظمة ضمن ما يعين على التعامل مع القلق.
  • النوم والمنبهات: ثبّت موعد نومك، وخفف القهوة والشاي ومشروبات الطاقة، خصوصا في المساء، لأنها تزيد الخفقان والأرق.
  • تسمية مصدر الضغط: اكتب ما يشغلك على ورقة، ثم افصل ما تستطيع فعل شيء حياله عما لا تملكه، وابدأ بخطوة صغيرة في الأول.
  • وقت محدد للهم: خصص ربع ساعة يوميا تفكر فيها في مخاوفك، وإذا داهمك القلق في غيرها فأجّله إلى موعده، فهذا يحد من استيلائه على يومك.
  • الحديث مع من تثق به: مشاركة ما تمر به مع صديق أو أخ تخفف ثقله، وتمنحك نظرة من خارج دائرة أفكارك.

متى تحتاج إلى مراجعة مختص؟

راجع طبيبا نفسيا أو أخصائيا نفسيا إذا استمر القلق أسابيع وأثّر في عملك أو علاقاتك أو نومك، أو إذا لم تنفع الخطوات اليومية في تخفيفه، أو إذا صاحبته نوبات هلع متكررة. وتوضح هيئة الخدمات الصحية البريطانية أن اضطراب القلق العام يُعالج بأساليب ثبتت فعاليتها، أبرزها العلاج المعرفي السلوكي، وقد يضيف إليه الطبيب أدوية بحسب تقديره. أما إن راودتك أفكار بإيذاء نفسك فلا تنتظر، واطلب المساعدة فورا من الطوارئ أو من أقرب الناس إليك.

وطلب المساعدة ليس ضعفا ولا وصمة، فالقلق حالة صحية كغيرها، وكلما بدأ التعامل معها مبكرا كان التحسن أسهل وأسرع.

كيف تقيس مستوى القلق عندك؟

إن أردت صورة أوضح لما تمر به، فمقياس GAD-7 أداة قصيرة من سبعة أسئلة تسألك عن أعراض القلق خلال الأسبوعين الماضيين، وقد طوّره سبيتزر وزملاؤه عام ٢٠٠٦، ويُستعمل على نطاق واسع في العيادات للكشف الأولي. ويمكنك أن تجيب عنه مجانا في اختبار القلق على مكشوف، لتعرف هل مستوى قلقك خفيف أم متوسط أم شديد. والنتيجة مؤشر للوعي لا تشخيص، فإن جاءت مرتفعة فهي دعوة إلى الحديث مع مختص.

الخلاصة

رأى سيلييه قبل تسعين عاما أن الجسد يرد على الأخطار المختلفة بجرس واحد، وما زال هذا مفتاح الفهم. فالفرق بين القلق والتوتر في جوهره فرق بين جرس يرن لسبب حاضر ويسكت بزواله، وجرس يواصل الرنين بعد انتهاء الموقف. والتوتر جزء من الحياة يكفيه في الغالب تنظيم الوقت والراحة والحركة، أما القلق الذي يطول ويعطّل يومك فيستحق انتباها أعمق، وربما زيارة مختص يعينك على استعادة هدوئك. وأيا كان ما تمر به، فمعرفة الفرق تجعلك تختار ما يناسب حالك، فلا تهوّن من قلق يستحق العناية، ولا تهوّل من توتر عابر سيمضي بعد أيام.